ابن ملقن
56
طبقات الأولياء
وطلب العلم ثلاثين سنة ، فلما بلغ الغاية غرّق « 2 » كتبه ، وقال : لم أفعله تهاونا ولا استخفافا بحقك ، ولكن طلبنا الهداية فحصلت ، فاستغنيت عنك به « 3 » . فإن قلت : هذه إضاعة مال . قلت : لعله كان فيها شيء لا يرى تعديه إلى الغير . وقد روى نحو هذا عن سفيان الثوري الإمام ، أنه أوصى بدفن كتبه ، وكان ندم على أشياء كتبها عن الضعفاء ، وقال : حملني عليها شهوة الحديث . فكأنه لما عسر عليه التمييز بين الصحيح وغيره ، أوصى أن تدفن كلها . أو أن هذا من باب إلقاء أهل السفينة الأموال رجاء النجاة . وأين ذلك من غرق النفس في بحر الركون إلى المألوفات المنافية لصفاء الذكر ، والالتجاء إلى اللّه تعالى في فسيح أبواب الفكر ، لا سيما إذا خاف فوات الأولى بالاشتغال به ، فيكون إتلافه لذلك من باب : رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ [ سورة ص : 33 ] . وروى : أنه كان بينه وبين أبى سليمان الدارانى عقد بأنه لا يخالفه في شيء يأمره به ، فجاء يوما والدارانى يتكلم في مجلسه ، فقال : إن التنور قد سجر ، فبم تأمر ؟ فلم يجبه . فقال ثانيا ، وثالثا ، فلما ألح عليه ، كأنه قد ضاق قلبه ، فقال له : اذهب فاقعد فيه ! . ثم تغافل واشتغل عنه ساعة ، ثم ذكره فقال : اطلبوا أحمد ، فإنه في التنور ؛ لأنه على عقد ألا يخالفنى ! فذهبوا إليه
--> ( 2 ) في الحلية ( 10 / 5 ) أنه أغرقها في الفرات . ( 3 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 10 / 4 ) باختلاف في اللفظ ؛ فقال : حدثنا محمد بن الحسين قال : سمعت محمد بن عبد اللّه الطبري ، يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : طلب أحمد بن أبي الحوارى العلم ثلاثين سنة فلما بلغ الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها وقال : يا علم ، لم أفعل هذا بك تهاونا بك ، ولا استخفافا بحقك ، ولكن كنت أطلبك لأهتدى بك إلى ربى ، فلما اهتديت بك إلى ربى استغنيت عنك .